آخر تحديث:

الطبيبة .. لطالما أحببت هذا اللقب السامي في صِباي، ولطالما كان الطب حلمي اللامع في سماءات مستقبلي المظلمة الواسعة، وكنت أستحث الخطى في طلبه، وأوجه بوصلة مسيري نحوه عُمري كله حتى نوَّخت في ساحته قافلة آمالي ووصلت له بتوفيقٍ من الله ولطفٍ منه. لم تكن فرحة قبولي في كلية الطب فرحة عابرة، ولم يكن ابتهاجي به ابتهاجي بنجاحي بتفوق من مرحلةٍ إلى مرحلة، أو الحصول على تقدير عالٍ في مساقات اختبار القياس أو القدرات، بل كان حدثًا محوريًّا في حياتي وله وقع عميق في نفسي، بل كان ولادة عمر جديد وبداية حياة داخل الحياة.
لا شك أن نظرة المجتمع للطب بشكل خاص وللتخصصات الصحية بشكل عام، إضافة إلى كونها أعظم خدمة لإنسان من إنسان هي التي خلقت في فؤادي هذا الشعور، حيث ينظر المجتمع لهذه التخصصات بكل ضراعة وخشوع وتقديس وامتنان، فالطبيب – بإذن الله – مزيل الآهات، والحامي من المعاناة، وربما استعاد الإنسان من بين أنياب الممات.

الاكتئاب و طالب الطب

أما عن تأثير التخصص الصحي في الحياة، فالطب ليس مجرد عقار يحفظ اسمه أو عضلة تستذكر حركتها أو آثار جانبية لعلاج ما، بل هو أعمق وأنبل من ذلك بكثير. فهو الناخل الصاقل، وهو المهذب المشذب، وهو المحدد المسدد لشخصية أي طالب يدرسه، ينبت فيه بذرة الخدمة، وينمي شجرة التضحية، ويوقد فيه جذوة الهمة، ويبجس فيه عين الإخلاص، حتى إنه ليغدو هو أسلوب حياة يجعل مبتغيه ينام على دهشة علومه ويستيقظ على شغف متجدد فيه.

قد يحل الإنسان مشاكل الوقود ، ويهتم إنسان بمواصلات الناس ، ويشتغل إنسان بالفصل بين المتنازعين ، ويعمل إنسان على حفظ الأمن ، ويعتني إنسان بتوفير الطعام والشراب ، لكن أن يفني شخص ما حياته كلها ويقدم ليله ونهاره وشهوره وسنينه في تعلم ما يعتري كل صنف من الناس من أمراض ، ويقدم العلاج الناجع والبلسم الشافي ويحصن البشر من الأدواء والعلل ، ويسهم في جعل حياة البشر أتم وأكمل وأصح وأسلم ، ليبدع كل منهم في عمله ، ويحيا سعيدًا صحيحًا معافى ، لا يشتكي من حرارة حمى ، ولا مضاعفات التهاب ، ولا فتك ورم ، ولا قصور وظيفة عضو … إنه لإنسانٌ عظيم ولشخص متميز ولكفاءة فريدة ، بل هو نعمة من الله على البشر أن جعل منهم من يضمد جراحهم ويأسو آلامهم ويزيل أوجاعهم ويحميهم من الأوبئة المهلكة . وفي القرآن الكريم: ” ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا” وفي الحديث النبوي (من مشى في حاجة أخيه كان خيرًا لهُ من اعتكافه عشر سنين) فكم أسهمت نباهة ممارسٍ صحي في أن يكتب الله عمرًا جديدًا لمريض.

الاحتراق الوظيفي! الجانب المظلم من كونك طبيباً

يقول د. محمد نجيب:

وإن الطب مهنةُ كلِّ حُرٍّ – – – رأى أن يبذل الجهدَ اجتهادا
وأوشك أن يُقدَّس كلُّ طبٍّ  – – – كمحرابِ الصلاةِ نقًا وكادا
ومن سهَرَ اللياليَ كالحاتٍ – – – وأعطى المُوجَعَ القلِقَ الرُّقادا
وأعملَ روحَهُ علمًا وحُبًّا لأجل – – –  مريضِه عشِقَ السُّهادا
وحنَّ تعاطُفًا لبكاءِ طفلٍ – – –  ولطَّفَ عند والدِه الشِّدادا
وأرهقَ في سبيلِ البحثِ عُمرًا – – – وكرَّر بحثَه صبرًا وعادا
ولجَّ ليعرفَ المرضَ المخبّا – – – وزادَ على شراستِه عنادا
فمَنْ غيرُ الطبيبِ لهُ أيادٍ – – –  تعُمُّ الناسَ طُرًّا والبلادا

فهل يُنكر بعد هذا دورالمسارات الصحية في صقل شخصية الطالب وصنع أفضل وأمثل نسخة منه؟!

لكتابة مقالك في مدونة طالب طب: اضغط هنا