رأيٌ شخصي، في العمل البحثي

البحث الطبي
البحث الطبي

في ليلة تخرجي من كلية الطب، وفي خضم المشاعر المختلطة، أخذت أعيد شريط ذكرياتي في تلك السنوات الستّ، التي قضيتها في طلب العلم، بكل جدّ واجتهاد. عندما أعدت النظر في تجربتي في كلية الطب، أجد أنه من الأكثر الأشياء التي ندمت عليها هو الانخراط في العمل البحثي. الوقت والمجهود المستهلك في العمل البحثي -بل والقلق الذي يسببه- لا يتناسب أبداً مع الفائدة التي حصلت عليها منه.

هناك مجموعة من طلاب الطب مهتمين فعلاً بالعمل البحثي، وهو شيء يدعو للإعجاب. شخصياً، عملت في الأبحاث لكونها مطلوبة مننا في السيرة الذاتية لنقاط الهيئة، وأجزم أن العديد من زملائي يشاركونني هذه القناعة. أتمنى لو أنه لم يكن مطلوباً منا -من قبل هيئة التخصصات- العمل في الأبحاث. أتفهم أن هيئة التخصصات وضعت تلك النقاط لمفاضلة الخريجين -وهي محقة في ذلك- لكن هل وضعت الآليات لمساعدة الطلاب للعمل في الأبحاث؟

عدة تجارب سيئة ومحبطة حصلت لي -وللكثير من زملائي- جعلتني أتساءل عن ما إذا كانت تلك النقاط القليلة في السيرة الذاتية تستحق كل هذا العناء. هل هذا هو الاستعمال الأفضل لوقت طلاب الطب؟ استجداء الاستشاريين وتوزيع الاستبيانات وجمع البيانات؟. ذلك الوقت من الممكن استغلاله بأشياء أخرى تعود بالنفع أكثر على الطالب.

المحبط أن العمل في الأبحاث هو جهد غير مضمون للأسف، وقد يذهب أدراج الرياح، لانعدام خبرتنا في التفريق بين الغثّ والسمين من الأبحاث. أصاب بالحزن في كل مرة أتذكر الليالي التي أضعتها في مستشفانا التعليمي لغرض جمع البيانات لبحث لم يرَ النور أصلاً. قضيت جزء كبير من إجازة صيفية أعمل على بحث كبير ومستهلك للوقت، لكنه للأسف معلّق ومستقبله مجهول حتى الآن لأن الباحث المسؤول عنه خارج البلاد ولا يرد على اتصالاتنا. عزائي الوحيد هو أنها تجارب وأخطاء أتعلم منها.

في إحدى المؤتمرات، تأملت جهة الملصقات البحثية المعروضة، وجدت السواد الأعظم منها لا يخرج عن نوعين من الأبحاث المستهلكة. فهي إما “تقارير حالات” (Case reports) قاموا بها الطلاب،  أو أبحاث استطلاعية من قبيل “قياس الوعي المجتمعي عن داء كاواساكي.” بالتأكيد لا يوجد وعي مجتمعي عن داء كاواساكي، من منا كان يعرفه أصلاً قبل دخوله الكلية؟!

هل هذا هو الإنتاج البحثي الذي نطمح له؟ أبحاث لمجرد عمل بحث فقط؟

الأبحاث هي وسيلة للتقدم بالعلم البشري في موضوع ما، ولا ينبغي أن تكون غاية لذاتها.

 

نصيحتي لطلاب السنوات الأولى بالكلية: لا تعطوا الأبحاث أكبر من حجمها. الدراسة الأكاديمية أولى بذلك الوقت والجهد.

عبدالله الحديثي
طالب طب في جامعة الإمام عبدالرحمن، عاشقٌ لتخصصه، شغوف بطب الأعصاب وكل جديد فيه. مهتم بترجمة الطب وعلومه إلى اللغة العربية، يهوى القراءة في وقت الفراغ.
عبدالله الحديثي on Twitter

3 Comments on رأيٌ شخصي، في العمل البحثي

  1. اتفق معك، لكن عنوان البحث والموضوع جدا مهم، مثلا بحث دراسة جدوى دواء معين او اعراضه الجانبية ونفس الشئ التطعيمات مثلا تطعيم الكزاز او التتنس للكبار الخ فعلا البحث ليس ليس غاية في ذاته بالمناسبة عندي عناوين بحث كثير مقترحة للي يحتاجها.

اترك رد

Send this to a friend