ملاحظات عابرة، لتعاملنا مع المرضى

علاقة الطبيب بالمريض
علاقة الطبيب بالمريض

“أح!
تعالوا يا عيال اسمعوا المرمر اللي بهذا البيشنت مرة واضحة!”

كانت هذه
جملة وقحة سمعتها أحد المرّات في مستشفانا التعليمي، وجعلتني أفكر بمدى انسانيتنا
في التعامل مع المرضى كطلاب طب أو أطباء. من السهل جداً -في خضم عملنا ودراستنا-
أن ننسى أن المرضى الذين نتعامل معهم يشكل يومي أنهم أناس لهم مشاعر وأحاسيس
وأحباب وأصدقاء، وليسوا مجرد حالات وتشخيصات.

المريض
المذكور في العبارة السابقة لم يكن يعلم أصلاً بوجود صوت لغط (Murmur) في قلبه، وقد
أثار تعليق الطالب ذعره.

كطلاب
طب، نقضي الساعات الطوال في قراءة بعض العلامات والأعراض التي تظهر على بعض
المرضى، وقد تأخذنا الحماسة أحياناً حين نرى مريضاً أمامنا لديه هذه العلامة أو
تلك. ضبط تعابير الوجه مهم جداً أمام المريض، احتراماً له وحفاظاً على مشاعره.

استخدام
اللغة الإنجليزية والمصطلحات الطبية مفيد أيضاً عند نقاش الحالة مع الزملاء في
وجود المريض، واستبدال بعض الكلمات المشهورة بمصطلحات طبية غير معروفة مستحب
أيضاً، مثل استبدال كلمة “Cancer” بـ “Neoplasm” وهكذا…

نظن
أحياناً أن وقتنا مهم جداً، وأهم من وقت المريض، فنقاطع المرضى في وسط حديثهم
وشكواهم. في صفحاته الأولى، يخبرنا كتاب (تالي أند أوكونور) الذي درسناه جميعاً أن
غالبية المرضى يستغرقون من دقيقتين إلى ثلاث دقائق لعرض مشكلتهم كاملة. الإنصات
للمريض بدون مقاطعة يزيد من ثقته في الرعاية الطبية المقدمة له. هذا يكون صعبا
عندما تزدحم العيادة بإستشاري وطبيبين مقيمين وطبيبين امتياز و4 طلاب وممرضة
يتحدثون فيما بينهم.

المؤسف
أن القصور في التعامل مع المرضى ليس محصوراً علينا كطلاب، بل يمتد لبعض الاستشاريين.
أذكر في إحدى العيادات، دخلت مراجِعة فلبينية كانت تشتكي من كتلة في بطنها، أظهرت
الفحوصات وجود ورم خبيث في المعدة. بدون تمهيد ألقى عليها الاستشاري الخبر
الصاعقة، ثم أخذ بإلقاء الأوامر عليها بأن تذهب للاستقبال لحجز موعد والذهاب
للصيدلية، وكأنه أخبرها بأنها مصابة بإلتهاب في الحلق! ولا أعلم هل هذا التعامل
سيكون مختلفاً إذا كانت المريضة مواطنة سعودية في عيادته الخاصة!

في عيادة
أخرى، كانت المريضة خادمة هندية برفقة كفيلتها، وكانت مصابة بمرض نادر نوعاً ما.
نادى الطبيب المقيم الاستشاري ليتأكد من الحالة، وقام الاستشاري بمناداة كل الأطباء
المقيمين. بعد أن فحصوا المريضة جلس الأطباء المقيمين والاستشاري على الكراسي، وأخذوا
يناقشون التشخيص والخطة العلاجية مع الكفيلة، والمريضة واقفة بالزاوية وكأنها غير
معنية أبدأ.

الإنسان
إنسان سواءً كان سائقاً سريلانكياً أم رجل أعمال سعودي، ويستحق أفضل معاملة بالإمكان تقديمها.

 

“اللي 

أعرفه يا دكتورة أن الصدفية هي بقعة حمراء أحط عليها مرهم وتروح.”

خلال
دوامي في أقسام المستشفى المختلفة، وجدت أن نسبة كبيرة من المرضى يجهلون تفاصيل
مرضهم، بل إن بعضهم يجهلون اسم المرض! تثقيف المرضى واجبنا جميعاً طلاب وأطباء،
وأعتقد أنه يستحق تخصيص وقت من موعد المريض لتثقيفه. فوعي المريض بمرضه يزيد من التزامه
بالخطة العلاجية، ويبعده عن الدجالين ومدعي الطب.

“أبد

ما فيني شيء يا دكتور، بس مشكلتي إني لما أروح السوق الناس يقرون أفكاري!”

في قسم الطب
النفسي، التعامل مع المريض قد يكون نصف العلاج. طريقة صياغة السؤال للمريض، نبرة
الصوت، السيطرة على تعابير الوجه عندما يذكر المريض أفكاراً غريبة، والحذر في
اختيار الكلمات كلها مهارات مهمة يجب إتقانها للتعامل مع المرضى النفسيين. بعض
المرضى النفسيين لا يعتقدون بوجود مرض فيهم، فيجب الانتباه لهذه النقطة عند محاورتهم.

 “اسألي حبيبتي، آمريني.”

في مقرر الجراحة العامة، حضرت في عيادة جراحة الثدي. مراجعي هذه العيادة هن نساء قلقات جداً -كان الله في عونهن-. لم أتعلم الكثير عن جراحة الثدي في تلك العيادة، بل كان الذي تعلمته في رأيي ما هو أهم: أسس التعامل مع مريض قَلِق وينتظر نتائج فحوصاته على أحر من الجمر. أسلوب الدكتورة كان مدرسة في الأخلاق، فكانت تستخدم ألطف العبارات، وتختار كلماتها بعناية، فلا تخرج المريضة من العيادة إلا وهي مرتاحة مطمئنة وقد تم الإجابة عن جميع أسئلتها.

التعامل مع المرضى بمختلف أطيافهم فن، وبعض المواقف المنفّرة للمريض من الممكن
تفاديها بقليل من الصبر والحلم، ففي النهاية المريض لم يأتِ إلا لحاجة، وواجبنا
جميعاً معاملتهم كما نحب أن نُعامل حين نمرض نحن أو أحباؤنا، سواء كان المريض
كبيراً أو صغيراً، غنياً أو فقيراً، وافداً أو مواطنا.ً

مقالات الأعضاء اكتب مقالة طبية اليوم!

طالب طب في جامعة الإمام عبدالرحمن، عاشقٌ لتخصصه، شغوف بطب الأعصاب وكل جديد فيه. مهتم بترجمة الطب وعلومه إلى اللغة العربية، يهوى القراءة في وقت الفراغ.
عبدالله الحديثي on Twitter

3 Comments on ملاحظات عابرة، لتعاملنا مع المرضى

  1. فعلًا ! كنت ألاحظ هذه الأمور واتضايق منها … وما زلت..
    احد الدكاترة اخبرنا اثناء تدريبنا بالكلية ” دي الحالة مرة ممتازة عشان الفايندينق فيها مرة كتيرة! تعالوا شوفوها”
    امام المريض !!

    ايضًا كانو يخبروني عن الحالات النادرة ويقولون اذهبي وانظري اليها.. لكن هل من الجيد ان يدخل طلاب الطب غرفة المريض يشاهدوه و يتحدثو معه و يخرجو فقط؟

  2. أحييك على هذا المقال الرائع
    فعلاً غيرت الكثير في داخلي , وخليتني اركز على اشياء ماكنت منتبه لها

  3. كلام على الجرح فعلاً بعض الاستشاريين يحتاج دورة في الأخلاق قبل نيل الشهاده وبعضهم والله العظيم بلسم ع الجرح … أظن ان الشخص المتعلم يزيده العلم تواضعاً وليس غروراً

اترك رد

Send this to friend