لذلك أحببت الطب وكرهته!

لذلك أحببت الطب وكرهته
لذلك أحببت الطب وكرهته

آخر تحديث فبراير 18th, 2017

لطالما حلمتُ بدخول هذا المجال، منذ الطفولة، عشقت جسم الإنسان، أردت أن أستكشف خصائصه و ألمّ بمَ اختزن من كنوز و أسرار، و حتى عندما ساقتني قدماي إلى رحابه، ظل ذلك العشق و ذلك الحماس متوقدًا في كياني دافعًا إياي رغم الصعوبات و ظلتُ أحلق’ فيه بتيهٍ أحيانا و أخرى بإعجاب، و لكن الطب ليس هذا كله و حسب، الطب ليس كمدينة الألعاب أو كبلاد العجائب، هو ليس مسرحًا و لا معرضًا للفنون، لقد تيقنت من ذلك مع مرور الزمن، إن الطب مجالٌ قاسٍ و مرعب، هو أشبه ببيت الأشباح بل هو أشبه بإعصار إن لم تبق في منتصفه ممسكًا بالركائز فإنه سوف يجرفك بعيدًا.

بمناسبة هذا المقام تذكرت محاضرة ألقيت علينا في علم النفس في السنة الأولى أثناء دراستي، لا أتذكر الكثير من تفاصيلها و لكنني أتذكر كلام الأستاذ واصفًا حالنا بل منبئًا بمستقبلنا و لا زلت أتعجب بين الحين و الآخر، لقد وصف كيف تتغير نظرة الطالب للطب و للعلوم مع مرور السنوات ففي البداية، يعلم أنه جاهل و لكن خياله يقصر عن أن يعين مداركه على مدى جهله، و مع مرور الوقت و عندما يفتح ذلك الباب يهوله ما يرى و يعلم أنه لا يعلم، و مع الوقت يعلم ما يعلم و في النهاية قد يعلم ما لا يعلم، و هذه ملاحظة لطيفة و مهمة للغاية، خاصةً في مجالنا.

إن مجال الطب ليس مقام تفاخرٍ أو تعالٍ، إنه حقلٌ لا يزيد العالمَ فيه إلا علمًا بجهله، و يتجلى هذا الواقع كلما مر الزمن كأنما ينقشع عن عيوننا السراب شيئًا فشيئًا، إن هذه الصفات هي سبب عشقي لهذا المجال و له كرست جلَّ وقتي فبات هوايتي و ما يملأ وقت فراغي و الموضوع الأول و الأخير في كل حواراتي، و لكن هذا الجمال لا يأتي بدون مأخذ، فوراء كل مشرق ظلمة.

إن علوم المجرات و الرياضيات و الفيزياء علوم تطلق محبيها في الهواء و تحلق بعقولهم عاليًا و لكن الطب ليس علمًا بحتًا كهؤلاء، إنه عندما يقال أن الطب مهنة إنسانية فإن هذا ليس مدحًا بل هذه اللعنة الحقيقية و الوجه الحقيقي خلفه الذي يقشع سحاب سحره عمن رآه، إن الإنسانية في الطب لا تقتصر على مساعدة الآخرين و لكن على تفهمهم، احترامهم، الصبر عليهم، و التعلم منهم، و حمل مسئولية أرواحهم على عاتقك فتجيبهم بحلول عن علمٍ مشوبٍ بجهل و تداويهم بدواءٍ علاجه يأتي بمرض و هي أمور قد لا تروق للكثير بل لا يطيقها الجلُّ من الناس ممن رزق صحوة الضمير.

كماأن الطب ليس كما نتصور معتمدٌ على الحفظ فقط، واقعًا في بداياتي تخوفت كثيرًا من هذه النقطة بسبب ضعف الحافظة عندي و لكنني وجدته يحتاج أكثر من مجرد حفظ، بل و يحتاج أكثر من مجرد فهم، إن الطبيب يحتاج لحدس حاد، لعقل ناضج، لروح بريئة، لصبر نبي، إن الطبيب عليه أن يفهم الإحصاء و الفيزياء و الكيمياء و الأحياء، إن الطبيب جدير بإن يلم بلطائف و خوافي عقول البشر، إن الطبيب عليه أن يقرأ النفوس و الأرواح.

للأسف إن صورة الطبيب المترسبة في أذهاننا تحول بين ربط الواقع بالخيال، فتبقى أهدافنا مستحيلة و توقعاتنا بعيدة عن الحقيقة، فنبقى نسعى لكمال لا نناله و نبقى نشعر بالإخفاق أحيانًا كثيرة  و لكن الواقع أن الطبيب ليس إلا إنسان و الواقع أن الطبيب يعلم قليلًا من كثير و الواقع أن جسم الإنسان أعقد من مجرات الكون كلها رغم رقة جلده و دقة عظمه و ضعف نفسه و عقله، قال أمير المؤمنين عليه السلام : (( و تحسب أنك جرمٌ صغير و فيك انطوى العالم الأكبرُ ))

و رغم مصاعب الطب، إلّا أن إنقاذَ روح أو حتى بثُّ شيءٍ من الأمل فيها قد يعدل كل ذلك و يزيد، إن الطب مهنة شريفة، تسعى فيها لعمل أقصى جهدك لأن عواقب التقاعس وخيمة و لأن ابتسامة الشفاء في المرضى أحلى من العسل، و كذا فإن طلب العلم عبادة و السعي في حوائج الناس عبادة و الله عنده جزيل الثواب.

فلكل هذا عشقت الطب و كرهته فهو كالثمر حلو مذاقه مرّة قشوره.

يمكنك كتابة مقالك في مدونة طالب طب عبر الرابط:
مقالات الأعضاء – اكتب مقالة طبية اليوم!

Alaa Al Khamis, Medical doctor, University of Debrecen.
آلاء الخميس on Twitter

8 Comments on لذلك أحببت الطب وكرهته!

  1. شكرًا على المقال الجميل ، مامعنى هذه العبارة في مقالك ؛
    أمور قد لا تروق للكثير بل لا يطيقها الجلُّ من الناس ممن رزق صحوة الضمير.

    • الجملة غير واضحة و فيها تكرار، و لكن القصد منها أن الضمير يزيد صعوبة الحياة للمرء لأنه سيكون محاسبًا نفسه قاسيًا عليها و العمل في الطب كأي عمل، يحتمل الخطأ أحيانًا و لكن الخطأ في الطب لا يغتفر عادة من الناس و لا من الطبيب نفسه إذا كان ذا ضمير.

اترك رد

Send this to a friend